ابن قتيبة الدينوري
65
الإمامة والسياسة ( بيروت )
كأني أسمع وقع رأسه على اللوح ، حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار ، فقال : لا واللَّه لا تدفنوه في بقيع رسول اللَّه ، ولا نترككم تصلون عليه ، فقال أبو الجهم : انطلقوا بنا ، إن لم نصل عليه فقد صلّى اللَّه عليه ، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان ، معها مصباح في حق ، حتى إذا أتوا به حش كوكب [ ( 1 ) ] حفروا له حفرة ، ثم قاموا يصلون عليه ، وأمهم جبير بن مطعم [ ( 2 ) ] ، ثم دلوه في حفرته ، فلما رأته ابنته صاحت ، فقال ابن الزبير : واللَّه لئن لم تسكتي لأضربن الّذي فيه عينيك ، فدفنوه ، ولم يلحدوه بلبن ، وحثوا عليه التراب حثوا . بيعة علي بن أبي طالب كرم اللَّه وجهه وكيف كانت قال : وذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد ، وكثر الندم والتأسف على عثمان رحمه اللَّه ، وسقط في أيديهم ، وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان ، فقال الناس لهما : أيها الرجلان ، قد وقعتما في أمر عثمان ، فخليا عن أنفسكما ، فقام طلحة فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس ، إنا واللَّه ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس ، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة . حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرّنا أن نكفاه ، وقد كثر فيه اللجاج ، وأمره إلى اللَّه ، 71 ثم قام الزبير فحمد اللَّه وأثنى عليه ، ثم قال : أيها الناس إن اللَّه قد رضي لكم الشورى ، فأذهب بها الهوى ، وقد تشاورنا فرضينا عليا فبايعوه ، وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه إن أمره إلى اللَّه ، وقد أحدث أحداثا واللَّه وليه فيما كان ، فقام الناس ، فأتوا عليا في داره [ ( 3 ) ] ، فقالوا : نبايعك ، فمد يدك ، لا بد من أمير ، فأنت أحق بها ، فقال : ليس ذلك إليكم ، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر ، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة ، فنجتمع وننظر في هذا الأمر فأبى أن يبايعهم ، فانصرفوا عنه ، وكلم بعضهم بعضا فقالوا : يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله ، ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده ، فيثور كل رجل منهم في ناحية ، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي ، فلا
--> [ ( 1 ) ] حش كوكب : موضع بالمدينة ، مما يلي البقيع . [ ( 2 ) ] وقيل : حكيم بن حزام ، وقيل مروان . قال الواقدي : الثبت عندنا أنه صلّى عليه جبير بن مطعم . [ ( 3 ) ] قيل كان يعرف الضبع ( موضع راجع معجم البلدان ) .